
لقد كانت الساعات الطويلة من النقاش، وما تبعها من تبادل للاتهامات مع إبقاء قنوات التهدئة مواربة، تعبيراً عن بنية معقدة لـ«إدارة القوة». هنا، يصبح التفاوض أداة حيوية لضبط الإيقاع وتوزيع الضغوط، بعيداً عن الرغبة التقليدية في الوصول إلى نتائج نهائية.
تبدو الوقائع الميدانية مجرد عناوين أولية: لقاء مطول، نقاشات معقدة، واستمرار لغة التصعيد المتوازي مع الدبلوماسية. لكن القيمة الحقيقية لهذه المشهدية تكمن في المسافة الفاصلة بين الواقع وتسويقه.
فبين القراءات التي تروج لـ«انكسار أمريكي»، وتلك التي تراه «إعادة ضبط للموازين»، يبرز الخطاب السياسي كأداة لإعادة تشكيل الواقع وتوظيفه في خدمة المصالح الاستراتيجية لكل طرف.
إن الدخول الأمريكي في هذا المسار تفرضه معطيات ميدانية واستراتيجية ضاغطة، بدأت تفرض إيقاعها على صانع القرار في واشنطن. تعثر مسارات الحسم، واضطراب خطوط الطاقة والملاحة، وتزايد احتمالات الانزلاق نحو مواجهات كبرى، كلها عوامل جعلت من التفاوض ضرورة لإدارة الكلفة. تعكس الطاولة هنا «حدود القوة» في لحظة عجزها عن تحويل التفوق العسكري الكاسح إلى سيطرة سياسية ناجزة ومستقرة.
تتجلى المفارقة في امتلاك الولايات المتحدة لفائض هائل من أدوات الضغط العسكري والإعلامي، يقابله تعثر في فرض «التعريف الأمريكي» الأوحد للواقع. واشنطن اليوم قادرة على التعطيل والضغط والضرب، لكنها تفتقد القدرة على الإغلاق السياسي للملفات. هذا الفارق الجوهري بين «القدرة» و«السيادة» هو المحرك الفعلي للجلوس خلف طاولة المفاوضات، بوصفها محاولة لترميم هيمنة تواجه صعوبة في التحول إلى نظام مستقر.
على الضفة الأخرى، يتحرك الخطاب الإيراني ضمن استراتيجية الربط العضوي بين الميدان والسياسة. يحرص هذا الخطاب على تصوير التفاوض كاعتراف بقدرة طهران، وكمخرج يبحث عنه الخصم لتجنب الأسوأ. وبالرغم من الصبغة التعبوية لهذا الطرح، فإنه يخدم هدفاً استراتيجياً يتمثل في تثبيت المعادلات الميدانية وتحويلها إلى مكتسبات سياسية، دون الوصول بالضرورة إلى مرحلة التسليم الكلي بشروط الطرف الآخر.
بعيداً عن صخب المواقف المعلنة، نحن أمام تحول بنيوي في طبيعة الصراع؛ حيث تلاشت قدرة أي طرف على فرض مسار أحادي، وغاب خيار الحسم النهائي عن الأفق القريب. هذا التوازن المتحرك حوّل التفاوض إلى وسيلة لتأجيل الصدامات الكبرى وإعادة توزيع الأعباء.
لقد دخل الصراع مرحلة «الإدارة» الشاملة: إدارة التوتر، وإدارة الوقت، وإدارة الأزمات المتلاحقة. وفي هذا الفضاء، يتحول الزمن إلى عنصر مناورة أساسي، وتصبح حالة «لا حرب ولا سلم» هي السقف المتاح، وهي حالة تضمن إطالة أمد الصراع وإعادة تشكيله بما يتوافق مع موازين القوى المتغيرة.
تظل طاولة المفاوضات، في جوهرها، وجهاً آخر للحرب بأسلحة دبلوماسية. النتائج الحقيقية لا تُقرأ في بنود اتفاقات غائبة، وإنما في ثبات المواقع ورسم السقوف الجديدة. واشنطن تسعى لحماية عجزها التكتيكي من التحول إلى خسارة استراتيجية، بينما تعمل طهران على تحويل توازن القوى الراهن إلى اعتراف دولي بموقعها. وبين السعيين، يُرسم واقع سياسي لا يعرف الحلول السريعة، بل يعتاش على «الإدارة» الطويلة، بانتظار متغيرات قد لا تأتي قريباً.